الرأييسلايدريشريط

من لا يسمع الناس لا يستحق المنصب

بقلم أحمد زيدان

حين قال الرئيس السيسي إن من لا يقدر على تحمّل المسؤولية داخل مؤسسته عليه أن يرحل، فذلك ليس شعارًا للاستهلاك الإعلامي، بل التزامًا سياسيًا وأخلاقيًا، غير أن الخطر الحقيقي يبدأ عندما تتحول الكلمات إلى عناوين براقة بلا أثر، ويظل الواقع أسير السياسات ذاتها، والأخطاء نفسها، والعقليات التي لم تُحاسَب ولم تتغير.

فإلى متى يبقى المنصب حصانة لا مساءلة، وإلى متى يُعامل الكرسي باعتباره امتيازًا لا أمانة، بينما الدولة لا تُدار من أعلى الخرائط ولا تُفهم عبر تقارير مكتبية مصنوعة لإرضاء القيادات، بل تُدار بالاقتراب من الناس لا بالابتعاد عنهم، وبالاستماع لا بالأوامر، وبالفهم لا بالتعميم.

إن المحافظات ليست وحدات إدارية صامتة ولا أرقامًا في دفاتر التخطيط المركزي، فلكل إقليم واقعه وأزماته وموارده ونبضه الإنساني، ومع ذلك تُفرض قرارات موحّدة تُصنع في غرف مغلقة دون نزول حقيقي إلى الشارع أو استماع صادق للمواطن أو إدراك فعلي لكلفة القرار على التاجر والعامل والفلاح والموظف، والأخطر من القرار الخاطئ هو الدفاع عنه، والأخطر من الفشل هو تبريره، والأخطر من كليهما تحويل الخطأ إلى نهج وسياسة ثابتة.

المطلوب من كل محافظ ألا يكون مجرد ناقل أوامر، بل ممثلًا حقيقيًا لإقليمه، يسمع الناس بلا وسطاء ولا تقارير مُجمّلة، وينقل مطالبهم كما هي لا كما يُراد لها أن تُقال، ويقف أمام مجلس الوزراء لا ليجامل أو يبرر العجز، بل ليصارح ويطلب حلولًا حقيقية تشمل جلب الموارد، وتحقيق استثمار جاد، وتشغيل الأراضي المعطلة، وإقامة مشروعات تعود بدخل حقيقي على الدولة، لا مشروعات للعرض والمشهد ضعيفة العائد.

فالدولة القوية لا تخشى سماع الحقيقة، ولا تعاقب من ينقلها، ولا تكافئ الفشل بالصمت أو الترقية، بل تحاسب وتقيّم وتغيّر وتُقصي من عجز دون مجاملة أو خوف، لأن الصمت هو الوقود الأول لتضخم الخطأ، ولأن الكلام اليوم لم يعد رفاهية ولا النقد خيانة ولا المساءلة عداءً للدولة، بل طريق إنقاذها، ولهذا يصبح من الضروري أن نقول كفى قرارات تُصنع بعيدًا عن الناس، وكفى مسؤولين لا يسمعون ولا يشعرون، ومن لا يقدر على حمل المسؤولية فليغادر واقعًا لا بيانًا، وتطبيقًا لا تصريحًا

زر الذهاب إلى الأعلى